الشيخ محمد رشيد رضا
524
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أنا صاحبكما الذي فعلت ما فعلت لتفعلن أو لأفعلن - يخوفهما - فأبيا أن يطيعا فخرج ميتا ثم حملت الثالثة فأتاهما أيضا فذكر لهما فأدركهما حب الولد فسمياه عبد الحارث فذلك قوله تعالى ( جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما ) رواه ابن أبي حاتم « وقد تلقى هذا الأثر عن ابن عباس جماعة من أصحابه كمجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة ، ومن الطبقة الثانية قتادة والسدي وغير واحد من السلف وجماعة من الخلف ، ومن المفسرين من المتأخرين جماعات لا يحصون كثرة ، وكأنه واللّه أعلم أصله مأخوذ من أهل الكتاب فان ابن عباس رواه عن أبيّ بن كعب كما رواه ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو الجماهير حدثنا سعيد يعني ابن بشير عن عقبة عن قتادة عن مجاهد عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب قال : لما حملت حواء أتاها الشيطان فقال لها أتطيعيني ويسلم لك ولدك سميه عبد الحارث فلم تفعل فولدت فمات ، ثم حملت فقال لها مثل ذلك فلم تفعل ، ثم حملت الثالثة فجاءها فقال : إن تطيعيني يسلم وإلا فإنه يكون بهيمة . فهيبهما فأطاعا « وهذه الآثار يظهر عليها واللّه أعلم أنها من آثار أهل الكتاب وقد صح الحديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم » ثم أخبارهم على ثلاثة فمنها ما علمنا صحته بما دل عليه الدليل من كتاب اللّه أو سنة رسوله ومنها ما علمنا كذبه بما دل على خلافه من الكتاب والسنة أيضا ، ومنها ما هو مسكوت عنه فهو المأذون في روايته بقوله عليه السّلام « حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج » وهو الذي لا يصدق ولا يكذب لقوله « فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم » وهذا الأثر هو من القسم الثاني أو الثالث ؟ فيه نظر ، فأما من حدث به من صحابي أو تابعي فإنه يراه من القسم الثالث ، وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري رحمه اللّه في هذا وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء ، وانما المراد من ذلك المشركون من ذريته ، ولهذا قال اللّه ( فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) ثم قال فذكره آدم وحواء أولا كالتوطئة لما بعدهما من الوالدين وهو كالاستطراد من ذكر الشخص إلى الجنس كقوله ( وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ ) الآية ومعلوم أن المصابيح وهي النجوم التي زينت بها السماء